الشيخ محمد النهاوندي
344
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
الأباطيل ، وكتمان شهادته ، فيعاقبكم عليها أشدّ العقاب ، فكونوا منه على حذر ووجل في جميع الآنات « 1 » والحالات ، ولا تغترّوا بصالح أعمال آبائكم الأنبياء وحسن سيرتهم ، فإنّ تِلْكَ الآباء الكرام أُمَّةٌ وجماعة صلحاء قَدْ خَلَتْ ومضت من الدنيا ، يكون لَها ما كَسَبَتْ من نفع أعمالها والثّواب الموعود عليها وَ يكون لَكُمْ في الآخرة ما كَسَبْتُمْ من منافع أعمالكم وأجرها وتبعاتها ، فلا نصيب لكم من ثواب أعمالهم بشيء ، كما لا ضرر عليكم من سيّئاتهم إن كانت لهم وَلا تُسْئَلُونَ في القيامة عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ في مدّة أعمارهم في الدنيا . وحاصل الاحتجاج أنّكم يا أهل الكتاب بأيّ حجّة تتمسّكون على دعوى أولويّتكم بفضل اللّه وكرامته منّا ! فإن تتمسّكوا بأنّكم موحّدون فقد كذبتم ، لبداهة أنّنا موحّدون دونكم ، وإن تتمسّكوا بأنكم أتباع دين إبراهيم عليه السّلام وسائر الأنبياء والصّلحاء بعده فنحن المتّبعون لهم دونكم ، وإن تتمسّكوا بانتسابكم إليهم فليس النّسب موجبا للكرامة عند اللّه ، ونافعا في القيامة ، كما قال تعالى : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ « 2 » . حكاية هارون وبهلول حكي أنّ هارون الرّشيد لمّا انصرف من الحجّ ، أقام بالكوفة أيّاما ، فلمّا خرج وقف بهلول على طريقه وناداه بأعلى صوته : يا هارون - ثلاثا - فقال هارون تعجّبا : من الذي يناديني ؟ فقيل له : بهلول المجنون . فوقف هارون وأمر برفع السّتر - وكان يكلّم النّاس من وراء السّتر - فقال له : ألم تعرفني ؟ قال : بلى أعرفك . فقال : من أنا ؟ قال : أنت الذي لو ظلم أحد في المشرق وأنت في المغرب سألك اللّه عن ذلك في القيامة . فبكى هارون وقال : كيف ترى حالي ؟ قال : اعرضه على كتاب اللّه ، وهي : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ « 3 » . قال : وأين أعمالنا ؟ قال : إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ « 4 » قال : وأين قرابتنا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ؟ قال : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ « 5 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 142 ] سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 142 )
--> ( 1 ) . كذا ، والظاهر الآناء . ( 2 ) . المؤمنون : 23 / 101 . ( 3 ) . الانفطار : 82 / 13 و 14 . ( 4 ) . المائدة : 5 / 27 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 1 : 245 .